أهمية علاقة سوريا الفريدة مع روسيا
تمر سوريا اليوم بمرحلة يمكن تسميتها بـ”العهد الجديد”، وذلك بعد التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها عقب سقوط نظام الأسد أواخر 2024. لكن هذه المرحلة ليست بسيطة، فهي تحمل في طياتها تحديات تتراوح بين إعادة بناء دولة مزقتها الحرب، ومواجهة إرث ثقيل من الدمار والانقسام، والتعامل بحذر مع متغيرات إقليمية ودولية معقدة. في خضم هذا، تبرز علاقة دمشق المتنامية مع الدول الأخرى، وخصوصاً روسيا كنموذج فريد للشراكة التاريخية.
التحديات والمخاطر التي تواجه سوريا في عهدها الجديد
تواجه سوريا مجموعة مترابطة من التهديدات التي تعيق مسيرة استقرارها، ومن أهمها الانهيار الاقتصادي المرتبط بنقص موارد الطاقة. حيث لا تزال تعاني من فجوة هائلة بين إنتاجها المحلي من النفط واحتياجاتها الفعلية، فبينما يبلغ الإنتاج المحلي حوالي 35 ألف برميل يومياً فقط (مقابل 350 ألفاً قبل الحرب)، يصل الطلب إلى 120-150 ألف برميل يومياً. هذا العجز يجعلها عرضة لأي تقلبات في الإمدادات الخارجية، محولةً قطاع الطاقة من مجرد سلعة إلى سلاح جيوسياسي بيد الموردين.
كما أن هناك مخاطر تتمثل في كيفية تعامل الدولة مع ملفات شائكة مثل تحقيق العدالة الانتقالية، ومكافحة الفساد المستشري، وبناء جيش ومؤسسات وطنية جامعة بعيداً عن المحاصصة الطائفية والسياسية، ومعالجة أوضاع ملايين النازحين واللاجئين. ورغم تراجع وتيرة العنف، لا تزال بؤر التوتر قائمة، مع وجود فصائل مسلحة مختلفة، وتصاعد خطر عودة تنظيم “داعش” الإرهابي، وانتشار السلاح العشوائي، مما يجعل الأمن الداخلي هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.
بعض الدول الغربية انفتحت على سوريا الجديدة، إلا أن أي انتكاسة سياسية أو خطوة خاطئة قد تؤدي إلى إعادة فرض عقوبات خانقة، مما يبقي الاقتصاد السوري خارج المنظومة المالية العالمية ويعيق إعادة الإعمار. ناهيك عن وجود الخطر الإسرائيلي على الحدود الجنوبية واحتلال الكيان الصهيوني لمناطق واسعة من الجنوب وتهديده للأمن والسلم باختراقاته المتكررة وغارات طيرانه الدائمة على المدن والبلدات الآمنة.
العلاقة الفريدة مع روسيا
وسط هذه التحديات، تبرز روسيا كلاعب لا يمكن تجاوزه، وعلاقة سوريا بها تتسم بـ”الفرادة” التي تجمع بين الشراكة الاستراتيجية والصداقة التاريخية. وعلى الرغم من التقارب السوري مع بعض الدول الغربية، والتصريحات السياسية حول انفتاح سوريا على الغرب، فإن الواقع الاقتصادي يقول غير ذلك.
فمحاولات دمشق للتعاقد مع دول مثل تركيا أو دول خليجية وأوروبية لم تنجح بعد. كما أن الغرب، حتى لو أبدى استعداداً للتعامل، فإن آلياته وبيروقراطيته بطيئة وتشترط إصلاحات سياسية واقتصادية قد تستغرق سنوات. أما روسيا، فهي موجودة على الأرض اليوم، ولديها شبكات جاهزة للتزويد والتحويل. وقد أظهرت بيانات “رويترز”، بأن روسيا هي المورد الرئيسي للنفط لسوريا بنسبة 75% من الإمدادات (حوالي 60 ألف برميل يومياً).
ومن وراء اعتماد سوريا على روسيا، هناك قصة أعمق تتعلق بـ”اقتصاد الظل” الذي نشأ تحت وطأة العقوبات. حيث أن شركات النقل والتأمين الروسية اعتادت العمل في بيئة العقوبات الغربية، وتستخدم أساليب معقدة مثل “نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى في عرض البحر” لإخفاء مصدر السلع المادية وتجنب الرقابة. هذه الشبكات توفر لدمشق ما لا يستطيع الغرب تقديمه حالياً من احتياجات حيوية تتجاوز النفط، ربما تتضمن الحبوب والسلاح تصل فعلياً إلى الموانئ دون قيود قانونية.
وبدون النفط الروسي، سينهار قطاع الطاقة، وتتوقف المصانع والمستشفيات ومحطات تحلية المياه، مما يعني شللاً كاملاً للحياة الاقتصادية. لذا فإنها بالنسبة لسوريا مسألة أمن قومي وليس مجرد خيار تجاري. ناهيك عن أن روسيا كانت حاضرة عسكرياً واستخباراتياً واقتصادياً في سوريا لسنوات، مما يمنحها قدرة على التحرك وإبرام الصفقات بسرعة أكبر من أي طرف آخر.
ولا يخفى أن روسيا هي اللاعب الدولي الوحيد الذي يملك قدرة فريدة على فتح قنوات تواصل وضغط مع إسرائيل بفضل مكانته كعضو دائم في مجلس الأمن وثقله الجيوسياسي. هذه القدرة، يمكن أن توظفها موسكو بحكمة لصالح دمشق، إذا ما رغبت الحكومة السورية بذلك. حيث ستترجم إلى تراجع محسوس في سقف الغارات الإسرائيلية، أو إلى تفاهمات تُلزِم الطرفين بقواعد اشتباك تحمي السيادة السورية.
أهمية العلاقة بالنسبة لروسيا
لا يمكن فهم المشهد السوري اليوم دون فهم ما تربحه روسيا من علاقتها مع دمشق. فبعيداً عن الشعارات والتصريحات الإعلامية، تحصل موسكو من هذه العلاقة على مصالح جيوسياسية وعسكرية تخدم استراتيجيتها في الشرق الأوسط والعالم. فقد أعادت موسكو ترتيب أوراقها بمهارة، محولةً ما كان يبدو كتراجع أو خسارة إلى فرصة لتعزيز وجودها بأشكال جديدة وأكثر استدامة.
تبدأ أهم استفادة بالحفاظ على القواعد العسكرية الاستراتيجية، التي تمثل عصب النفوذ الروسي في المنطقة. ففي قاعدة طرطوس البحرية على شاطئ المتوسط، ترسو سفن الأسطول الروسي وتتزود بالوقود والتموين، لتنطلق منها لمراقبة تحركات حلف الناتو في البحر المتوسط. أما من قاعدة حميميم الجوية في ريف اللاذقية، تنطلق الطائرات الروسية التي تغطي سماء المنطقة، وهي بمثابة الجسر الجوي الذي يربط روسيا بحلفائها في أفريقيا. وقد نجحت موسكو في تحويلها من مجرد قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب للجيش السوري الجديد، مما يضمن بقاء جنودها وخبرائها العسكريين لأجل غير مسمى تحت غطاء شراكة “بناء الدولة”.
هذا البقاء العسكري يمنح روسيا أيضاً أداة ضغط جيوسياسية هائلة في وجه الغرب. فوجودها المتمركز في قلب الشرق الأوسط يجعل أي تحرك عسكري غربي أو إسرائيلي مرهوناً بالتنسيق معها، ويمنحها القدرة على عرقلة أي مشروع لا يخدم مصالحها. تستخدم موسكو هذا الوجود كورقة مساومة في مفاوضاتها مع واشنطن حول قضايا كبرى، وتقدم نفسها كقوة عظمى لا يمكن استبعادها من أي تسوية إقليمية. بالنسبة للكرملين، سوريا هي النافذة التي تطل منها على العالم، تثبت من خلالها أن النظام الدولي لم يعد أحادي القطب، وأن لها كلمة مسموعة ومعترف بها.
كما أنه لا يمكن إغفال البعد الأمني الداخلي لروسيا. حيث تحارب روسيا التنظيمات الإرهابية والمتطرفة في سوريا (التي تضم مقاتلين من منطقة القوقاز وآسيا الوسطى) بعيداً عن حدودها. هذا يعني أن احتواء المقاتلين العائدين ومكافحة الإرهاب “من المصدر” يشكل أولوية روسية كبرى، وسوريا هي الدرع الذي يحمي العمق الروسي من هذا التهديد.
سوريا الجديدة تدرك أهمية العلاقة الفريدة وتطورها
الحكومة السورية الجديدة التي تؤمن بأن الانفتاح على العالم ورفع العقوبات وإعادة الاندماج في النظامين المالي والسياسي الدولي هو السبيل الوحيد للخروج من النفق المظلم، تدرك تماماً أن هذا الطريق يمر عبر موسكو. فبينما أبدت دول عدة من الصين إلى دول عربية مؤثرة استعدادها لدعم المؤسسات السورية وتعزيز الاستقرار، فإن صوت روسيا داخل أروقة الأمم المتحدة وقدرتها على حشد تأييد دولي يصب في مصلحة سوريا هو ما يمنح هذه المساعي وزناً حقيقياً.
من هذا المنطلق، لا تسعى القيادة السورية اليوم إلى مجرد علاقات شكلية عابرة، بل إلى شراكات استراتيجية عميقة مع الدول التي تتعامل مع سوريا كدولة ذات سيادة كاملة، لا ككيان تحت الوصاية. وفي قلب هذه الشراكات تأتي روسيا، لأن روسيا كلاعب مؤثر ضمن فريق “الخمسة الكبار” في مجلس الأمن يعني أن هناك من يحمي المصالح السورية من القرارات الدولية المجحفة التي طالما عانى منها الشعب السوري خصوصاً حينما يتعلق الأمر بتحقيق مصالح بإسرائيل.
هذا لا يعني أن دمشق تراهن على روسيا فقط، فهي تسعى بالتوازي إلى فتح قنوات مع أطراف أخرى لتأمين تنوع في مصادر الدعم والحماية، لكنها تدرك أن إغفال تعزيز العلاقة مع روسيا في هذه المرحلة الدقيقة سيكون بمثابة تفريط في الضمانة الدولية الأكثر صلابة التي تملكها اليوم.
تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”




